أحمد مصطفى المراغي

18

تفسير المراغي

المعنى الجملي بعد أن ذكر سبحانه مآل من كان يريد الدنيا وزينتها ولا يهتمّ بالآخرة وأعمالها - قفى على ذلك بذكر من كان يريد الآخرة ويعمل لها ، وكان على بينة من ربه في كل ما يعمل ومعه شاهد يدل على صدقه ، وهو القرآن ، ومآل من أنكر صحته وكفر به . الإيضاح ( أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً ) أي أفمن كان على نور وبصيرة في دينه ويؤيده نور غيبى يشهد بصحته وهو القرآن المشرق النور والهدى ، ويؤيده شاهد آخر جاء من قبله . وهو الكتاب الذي أنزل على موسى عليه السلام حال كونه إماما متّبعا في الهدى والتشريع ، ورحمة لمن آمن وعمل به من بني إسرائيل ( وشهادة موسى لهذا النبي الكريم شهادة مقال بالبشارة بنبوته ، وشهادة حال وهي التشابه بين رسالتيهما ) - أي أفمن كان على هذه الأوصاف كمن يريد الحياة الفانية وزينتها الموقوتة ، ويظل محروما من الحياة العقلية والروحية التي توصل إلى سعادة الآخرة الباقية . ونحو الآية قوله : « أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ » وإجمال المعنى - أفمن كان كامل الفطرة والعقل ، وعرف حقيقة الوحي وهو القرآن وما فيه من نور وهداية ، وعرف تأييده بالوحي السابق الذي اهتدى به بنو إسرائيل ، فتظاهرت لديه الحجج الثلاث في الهداية ( كمال الفطرة ، ونور القرآن والوحي الذي أنزل على موسى ) كمن حرم من ذلك وكان همه مقصورا على الحياة الفانية ولذاتها . ( أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ) أي أولئك الذين جمعوا بين البينة الوهبية ، والبينة الكسبية النقلية ، يؤمنون بهذا القرآن إيمان يقين وإذعان ، على علم بما فيه من الهدى والفرقان ، فيجزمون بأنه ليس بالمفترى من دون اللّه ولم يكن من شأنه أن يكون كذلك .